حسن: برنامج الحكومة للإصلاح موجّه لصندوق النقد أكثر منه للتونسيين

قال الخبير الاقتصادي ووزير التجارة السابق محسن حسن، اليوم الخميس 9 جوان 2022 في تصريح لموزاييك، إنّ وثيقة برنامج الإصلاح الحكومي وبشكل موضوعي، ومن حيث المنهجية، هي وثيقة موجّهة أكثر إلى المانحين الدوليين وبالخصوص إلى صندوق النقد الدولي، حتّى تبرهن له  الحكومة من خلالها عن مدى جديتها في التعامل مع مسألة الإصلاحات الاقتصادية، مضيفا أنّه من حيث الشكل، أيضا هي مستنسخة من الوثائق التي أعدّتها الحكومات السابقة مع بعض التغيّيرات الطفيفة، إلاّ أنّها لا ترتقي إلى برنامج إصلاحي يأخذ بعين باعتبار دقّة المرحلة.

وتساءل حسن إن كانت حكومة نجلاء بودن اعتمدت على البعد التشاركي في صياغة الإصلاحات، وهل قامت بما يكفي من استشارات مع الشركاء الاجتماعيين، وخاصّة الاتحاد العام التونسي للشغل. وقال: “الجواب لا اعتقد ذلك”، وفق تعبيره.

وانتقد الخبير الاقتصادي وثيقة الحكومة للاصلاح، موضّحا أنّها تفتقر إلى حوكمة البرنامج وغياب  قيادة واضحة وروزنامة التطبيق وتقييم أداء الإصلاحات ودراسة التأثيرات المالية والإقتصادية والاجتماعية المنتظرة، وكذلك العوائد المرجوة منها.

وبيّن محسن حسن أنّ حوكمة الإصلاحات غير موجودة في هذا التقرير خاصّة في ظلّ عدم وجود وزير مكلّف بالإصلاحات مثلما كان عليه الأمر في الحكومات السابقة.
ومن حيث المحتوى، بيّن الوزير السابق أنّ عدّة اختلالات تمسّ من جدّية الملف الإصلاحي التونسي سواء تعلّق الأمر بالمدى القصير والمتوسط أو البعيد، مؤكّدا أنّ “ما قدمته الحكومة للإنعاش الاقتصادي ضحك على الذقون”، وفق تعبيره.

أما من حيث محتوى البرنامج الإصلاحي، فأكّد وزير التجارة السابق أنّه لا يمكن الحديث على إصلاحات هيكلية ما لم تقدّم الحكومة برنامجا للتنشيط الاقتصادي أو لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، وتساءل عن ما قدّمته الحكومة للتحكّم  في التضخّم، مضيفا: “لماذا تركت الحكومة البنك المركزي يواجه منفردا مسألة التضخم من خلال الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ولم تقدّم إجراءات مصاحبة كدعم الأسر والمؤسسات الضعيفة التي تعاني من ارتفاع الأعباء المالية”.

واعتبر الخبير الاقتصادي أنّ الحكومة ربطت وضع خطوط تمويل لهيكلة المؤسسات الخاصّة وتوفير السيولة للنظام البنكي بشرط حصولها على قرض من صندوق النقد الدولي.

الإنعاش الاقتصادي الذي قدمته الحكومة “ضحك على الذقون”

 وأكّد حسن أنّه من حيث المبدأ لا يمكن الحديث عن الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية ولا نجاح للإصلاحات ما لم يتوفّر البرنامج الحقيقي للإنعاش الاقتصادي.

“منصّة توجيه الدعم خطأ جسيم والحلّ في اعتماد المعرف الوحيد”

وأبرز حسن أنّ وثيقة برنامج الإصلاح الاقتصادي أقرّت التخلي التدريجي وترشيد دعم المواد الأساسية بداية من سنة 2023، والوصول إلى حقيقة الأسعار بحلول سنة 2026، متسائلا عن المنهجية التي يمكن أن تعتمدها الحكومة في ظلّ ارتفاع نسب الفقر وموجة التضخّم.

وأكّد حسن أنّ الدول عادّة ما ترفع في ميزانية الدعم والتدخّلات الاجتماعية في فترات ارتفاع نسب التضخم، ولا أدّل على ذلك من شروع السلطات الفرنسية، مثلا في تقديم صكوك مالية للأسر الضعيفة لمقاومة الآثار التضخمية التي تعيش البلاد على وقعها حاليا.

وأشار المتحدّث إلى أنّ الحكومة التونسية، قدّمت حلاّ لترشيد الدعم يتمثّل في تكوين منصة الكترونية مفتوحة لكلّ أفراد الشعب التونسي  لتمكين الأسر من التسجيل وهو خطأ جسيم لأنّ التصرّف المحكم في منظومة الدعم يقتضي وضع منظومة المعرف الوحيد حتّى تتمكّن الدولة من تحديد المنتفعين ومستحقي الدعم بطريقة آمنة، وفق تقديره.

وقال محسن حسن إنّه، وفي غياب منظومة منة للمعرف الوحيد وترك الأمر للمواطن للتسجيل في المنصّة المقترحة، فإنّ ما لا يقلّ عن 9 مليون تونسي سيسجلون فيها لأسباب عديدة منها تراجع وتآكل الطبقة الوسطى وانتشار الفقر وتردي المقدرة الشرائية والطمع في الحصول على المواد بالأسعار المدعّمة، وفق تقديره.

وبيّن الخبير الاقتصادي أنّه ولمعالجة مشكل التضخّم فإنّه من الضروري أن تتبنّى المنظّمات الوطنية والاجتماعية والمجتمع المدني هذا الإصلاح ويتمّ الاتفاق معها على الانطلاق في إصلاح منظومة الدعم، معتبرا أنّ ذلك لم يتم في ظلّ مقاطعة الاتحاد العام التونسي للشغل، المكون الأساسي للمجتمع التونسي، للمشاورات التي أجرتها الحكومة حول المنهجية المعتمدة في هذه الإصلاحات.

وبخصوص التحويلات المالية التي أقرّتها الحكومة للمنتفعين بالدعم، قال محسن حسن إنّ الدولة ليست  لها رؤية في هذا الباب، معتبرا أنّ التحويلات المالية يجب أن يتم الاتفاق بشأنها وكيفية تحويلها إلى المنتفعين بها قبل بداية الإصلاح والعمل على توجيه الدعم لمن يستحق، بالإضافة إلى ضعف الرقمنة والجانب اللوجستي لتحويل المنح.

في نفس الإطار أشار الوزير السابق إلى أنّه كان من الأفضل العمل في مرحلة أولى على الدعم المستعمل من غير الأسر كالسياح والمستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى تأهيل مسالك التوزيع وإزالة العقبات والاختلالات الهيكلية التي تعانيها المنظومة.

“كيف يتمّ رفع الدعم عن المحروقات في ظلّ تردي النقل العمومي”

كما يشتمل البرنامج الإصلاحي للحكومة على المضي في رفع الدعم عن المحروقات وبيعها بأسعارها الحقيقية للمستهلك التونسي، وفي هذا الخصوص أوضح محسن حسن أنّ تعديل أسعار المحروقات شهريا ضرورة ملحّة، متسائلا عن ما قدّمت به الحكومة للتونسيين في هذا الباب خصوصا في ظلّ تردّي منظومة النقل العمومي والأوضاع غير المريحة لصغار الفلاحين والصناعيين والنقل الجماعي وسيارات الأجرة وصغار الموظفين الذين جميعهم سيصبحون غير قادرين على شراء الوقود بأسعاره الحقيقية، داعيا إلى ضرورة استهداف من يستحق دعم الدولة في مجال المحروقات.

“دعم الناتج المحلي كفيل بتقليص كتلة الأجور”
وبخصوص إصلاح الوظيفة العمومية، أوضح الخبير الاقتصادي أنّه على الحكومة العمل أوّلا على دعم نسبة الناتج المحلي الإجمالي حتّى تتقلّص نسبة كتلة الأجور من خلال إصلاح السياسات العمومية والقطاعية ومناخ الأعمال لدفع الاستثمار والتصدير والاستهلاك كمحركات نمو أساسية، معتبرا أنّ ما قدّمته الحكومة في مجال إصلاح الوظيفة العمومية سيظلّ منقوصا وستظلّ كتلة الأجور مرتفعة مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي.

وفي ما يخصّ المؤسسات العمومية، أشار المتحدّث ألى أنّ المشكل ليس في من يملك رأس المال بل المعضلة الأساسية تتمثّل في ضعف الحوكمة وتردّي المردودية لذلك لا معنى لإصلاح القطاع العمومي ما لم تقم الدولة بخطة عاجلة للتطهير المالي والاجتماعي للمؤسسات العمومية، وتطوير حوكمتها ومردوديتها ثمّ يمكن التفكير في التفويت أو الإدراج في البورصة للمؤسسات العاملة في قطاعات تنافسية.

الحبيب وذان

يمكنك ايضا قراءة الخبر من المصدر في موقع موزاييك